ابراهيم بن عمر البقاعي
406
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
عطف عليها قوله تذكيرا بما يوجب القبول والانقياد : وَاذْكُرُوا أي ذكر اتعاظ وتأمل واعتبار . ولما كان المقصود من الإنعام غايته قال : نِعْمَةَ اللَّهِ أي الملك الأعلى عَلَيْكُمْ أي في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، وفي غير ذلك من جميع النعم ، وإنما لم تجمع لئلا يظن أن المقصود تعداد النعم ، لا الندب إلى الشكر بتأمل أن هذا الجنس لا يقدر عليه غيره سبحانه وعظّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما يستحقه بجعل فعله سبحانه فعله صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : وَمِيثاقَهُ أي عقده الوثيق الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ أي بواسطة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم حين بايعكم ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره « 1 » إِذْ أي حين قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وفي ذلك تحذير من مثل ما أراد بهم شاس بن قيس ، وتذكير بما أوجب له صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم من الشكر بهدايته لهم إلى الإسلام المثمر لالتزام تلك العهود ليلة العقبة الموجبة للوفاء الموعود عليه الجنة ، والتفات إلى قوله أول السورة أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ المائدة : 1 ] وحديث إسباغ الوضوء على المكاره مبيّن لحسن هذا التناسب . ولما كان أمر الوفاء بالعهد صعبا ، لا يقوم به إلا من صدقت عريقته وصلحت سريرته ، وإنما يحمل عليه مخافة اللّه قال : وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اجعلوا بينكم وبين ما يغضب الملك الأعظم . الذي يفعل ما يشاء . من نقض العهد وقاية من حسن القيام ، لتكونوا في أعلى درجات وعيه ، ثم علل ذلك مرغبا مرهبا بقوله : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له صفات الكمال عَلِيمٌ أي بالغ العلم بِذاتِ الصُّدُورِ * أي أحوالها من سرائرها وإن كان صاحبها لم يعلمها لكونها لم تبرز إلى الوجود ، وعلانيتها وإن كان صاحبها قد نسيها . ولما تقدم القيام إلى الصلاة ، وتقدم ذكر الأزواج المأمور فيهن بالعدل في أول النساء وأثنائها ، وكان في الأزواج المذكورات هنا الكافرات ، ناسب تعقيب ذلك بعد الأمر بالتقوى بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالإيمان ، ولما كان العدل في غاية الصعوبة على الإنسان ، فكان لذلك يحتاج المتخلق به إلى تدريب كبير ليصير صفة
--> ( 1 ) صحيح . يشير المصنف لحديث عبادة بن الصامت قال : « بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على السمع والطاعة في اليسر والعسر ، والمنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم . أو نقول . بالحق حيث ما كنا لا نخاف في اللّه لومة لائم » . أخرجه البخاري 7199 ، 7200 والنسائي 7 / 138 ومالك 2 / 445 ، 446 والبغوي 2456 وابن حبان 4547 والبيهقي 8 / 145 وأحمد 5 / 316 ، 321 ، 318 .